ماذا يريد محمد السادس من الجزائر بالضبط؟

0 3٬767

في خرجة مثيرة وغريبة، وعكس سيل المؤامرات والدسائس التي يقوم بها المخزن عمليا، ظهر الملك المغربي، محمد السادس أمس، بخطاب تصالحي مليء بالود والاحترام، ليدعو الجزائر إلى فتح الحدود بين البلدين والعمل معا دون شروط لبناء علاقات ثنائية أساسها الثقة وحسن الجوار.

ولعل من أهم المقاطع التي تناولها الملك المغربي في كلمة له في ذكرى جلوسه على العرش، ما قاله بأن “قناعتي أن الحدود المفتوحة، هي الوضع الطبيعي بين بلدين جارين، وشعبين شقيقين”، محاولا نفي المسؤولية عنه وعن المسؤولين الجزائريين بالتأكيد “أنه لا فخامة الرئيس الجزائري الحالي، ولا حتى الرئيس السابق، ولا أنا، مسؤولون على قرار الإغلاق”.. معتبرا “أن الأسباب التي كانت وراء إغلاق الحدود، أصبحت متجاوزة، ولم يعد لها اليوم، أي مبرر مقبول”.

كما حمّل الخطاب قدرا غير مسبوق من عبارات الود ومحاولة تجاوز المشاكل حيث شدد الملك المغربي على عبارات جميلة لا يعكسها للأسف الواقع المرير عندما قال “إن الشر والمشاكل لن تأتيكم أبدا من المغرب، كما لن یأتیکم منه أي خطر أو تهديد؛ لأن ما يمسكم يمسنا، وما يصيبكم يضرنا”. و”أن أمن الجزائر واستقرارها، وطمأنينة شعبها، من أمن المغرب واستقراره والعكس صحيح، فما يمس المغرب سيؤثر أيضا على الجزائر؛ لأنهما كالجسد الواحد”.

وتأسف محمد السادس في خطاب العرش هذا الذي وجه أغلب مقاطعه للجزائر لما أسماها “التوترات الإعلامية والدبلوماسية، التي تعرفها العلاقات بين المغرب والجزائر، والتي تسيء لصورة البلدين، وتترك انطباعا سلبيا، لا سيما في المحافل الدولية” داعيا إلى” تغليب منطق الحكمة، والمصالح العليا، من أجل تجاوز هذا الوضع المؤسف، الذي يضيع طاقات بلدينا، ويتنافى مع روابط المحبة والإخاء بين شعبينا. فالمغرب والجزائر أكثر من دولتين جارتين، إنهما توأمان متكاملان” كما دعا أيضا “فخامة الرئيس الجزائري، للعمل سويا، في أقرب وقت يراه مناسبا، على تطوير العلاقات الأخوية، التي بناها شعبانا، عبر سنوات من الكفاح المشترك”.

ولعل أبسط قراءة في محتوى هذا الخطاب المليء بالود ومحاولة استرضاء الطرف الجزائري، أنه مناقض بشكل صارخ لكل ما يقوم به المخزن من سياسات عدوانية ضد الجزائر، تجاوزت في الآونة الأخيرة حدود الحملات الإعلامية المنظمة والمغرضة التي وصلت إلى حد وصف الجزائر بالدولة العدو، إلى العمل عمليا للإضرار بمصالح الجزائر الاستراتيجية من خلال محاولات التجسس والتحالف مع الصهاينة على حساب الجزائر، بل والإعلان عن أخطر خطوة يمكن أن يصل إليها جنون المخزن وهي دعم تقسيم الجزائر من خلال تبني حركات إرهابية ودعم ما سماه بحق “تقرير مصير القبائل”.

والمثير أنه في الوقت الذي وصلت فيه العلاقات الجزائرية المغربية إلى أسوأ حالاتها منذ حرب الرمال العام 1963، بعد جريمتين مغربيتين متتاليتين في حق الجزائر، من خلال دعم علني لدولة القبائل الوهمية، وتفجر فضيحة بيغاسوس، التي أجبرت الجزائر على دعوة سفيرها بالمغرب للتشاور، وفي وقت كانت الجزائر تنتظر توضيحات حول هذه الخطوات العدوانية الصريحة، يخرج ملك المغرب بهذا “الخطاب العاطفي” في محاولة لمسح تلك الجرائم المثبتة، لكن من دون إعطاء أي توضيحات حولها، أو تقديم أدنى اعتذار بشأنها.

فما الذي يسعى إليه محمد السادس من خلال هذا الخطاب؟ هل يريد فعلا طي صفحة الماضي والخلافات وفتح صفحة جديدة مليئة بالود والاحترام كما يقول؟ وكيف يمكن تصور ذلك و”جلالته” لا يتراجع عن خطيئة دعم فكرة الانفصال داخل الجزائر، ومحاولة مقارنتها بدعم الجزائر لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره؟ بل والأخطر من ذلك كيف يمكن فتح الحدود المغلقة اليوم، وقد حول “جلالاته” المغرب إلى قاعدة خلفية للصهاينة بغرض التجسس على الجزائر ومحاولة التسرب إلى داخلها وضربها في العمق؟.

الإجابة على هذا السؤال المحير، لا يمكن الحصول عليها منطقيا، إلا باعتبار هذا الخطاب ليس موجها للجزائر فعلا، وإنما هو للرأي العام العالمي بغرض تلميع صورة المخزن وإظهار بلاده بأنه يريد السلام والخير وأن المشكلة هي في الجزائر وفي نظام الحكم فيها، خاصة بعد تفجر فضيحة بيغاسوس التي كشفت للعالم كله حقيقة الدور القذر الذي تقوم به المملكة ليس ضد الجزائر فقط وإنما على المستوى الدولي أيضا.

لقد تعودنا على هذه السياسة من المخزن منذ عهد الملك الحسن الثاني، التي اعتمدت دائما على محاولات مستميتة لتبييض صورة المغرب دوليا، مقابل العمل الدؤوب على “شيطنة” الجزائر، ومحاولة حصرها في الزاوية الضيقة، من خلال الادعاء دائما أنها هي (أي الجزائر ونظامها العسكري كما يروج الإعلام المخزني) السبب في استمرار إغلاق الحدود، وفي توتر العلاقات بين البلدين والشعبين الشقيقين، رغم اليد المغربية الممدودة.

وعليه، فلن يكون مصير هذا الخطاب بالتأكيد، سوى الحفظ في أرشيف الخطابات المشابهة لملوك المغرب، والتي تتناقض للأسف مع الأفعال العدوانية التي يقومون بها على أرض الواقع، وإلا كيف لن يأتينا الشر والمشاكل من المغرب ولا أي خطر أو تهديده منه، كما يقول هذا الخطاب، بينما المخزن الرسمي يدعم حركات إرهابية داخل الجزائر ويدعم فكرة التقسيم ويتحالف مع الصهاينة لضرب استقرار الجزائر.

بالنهاية، الحدود ستبقى مغلقة طالما أن الاعتذار المغربي لم يأت بعد أحداث مراكش المفبركة، والحدود ستبقى مغلقة طالما أن التوضيحات التي تنتظرها الجزائر بخصوص فضيحتي “عمر هلال” في الأمم المتحدة و”بيغاسوس”، ما زال المخزن يتجاهلها.. هذا هو منطق الحكمة الذي يجب المرور عبره.. وما عدا ذلك فإن منطق الزطلة التي يُغرق بها المغرب الجزائر هو ما يفسر هذا الاختلاف الرهيب بين واقع المؤامرات والدسائس وبين أحلام وأوهام إعطاء المواعظ والدروس في الأخوة وحسن الجوار؟.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.